لا تمت: دروس للمسلمين من كائن يسعى للخلود تأملات من كتاب “لا تمت” لبراين جونسون طائفة الخلود «نحن في حرب طاحنة مع الـموت ومُسبباته» المقولة المعبرة عن فلسفة “براين جونسون” مليونير وادي السيلكون المثير للجدل فبعد بيعه لشركته المختصة في الدفع الإلكتروني وجد نفسه في خضم صراع نفسي كبير كما عبر عنه فقام بالخروج من طائفته المورمنية المسيحية وانضم لدين العصر الجديد “العلم” بل وبدأ في في صناعة طائفته الخاصة (cult) ولم يخجل من التصريح بهذا حتى أمام أتباعه… في كتابه “لا تمت” يطرح الكاتب فلسفته حول الموت والحياة والخلود فيعبر عن ذلك من نظرة ما بعد إنسانية بأننا وصلنا إلى قمة التطور الطبيعي ومن هنا فمن واجبنا كجنس بشري أن نبدأ في التطور الصناعي عبر التدخل الطبي لتأخير الشيخوخة وهي التي يقول الأطباء أنها المسبب الرئيسي للموت1 يتحدث في الكتاب على لسان عدة شخصيات منها البلوبرنت (وهو إسم مشروعه هذا) عن “بدائية” العقل البشري والذي مازال يظن أنه في الكهوف بينما نحن في القرن الحادي والعشرين فمثلا نجد في الكتاب مقولة مثل:

NOTE

“فكر مليًّا في مدى جنون عصرنا الحالي. نقبع في غرفنا خلف شاشات زجاجية، ونملك القدرة على استحضار أي لحن، أو لوحة، أو فيلم صمد عبر التاريخ. ولكن، ما الذي نصنعه بهذه المعجزة؟ نستغلها لتتبع تفاصيل حياة الآخرين، ولا نجنِي من ذلك سوى البؤس وجلد الذات.”

فإذن العقل البدائي أو الذات العاصية (the rogue element) لا يمكن ائتمانها وهنا يبدأ بالتأسيس لنظريته فللوصول إلى ينبوع الشباب يجب علينا ترك الخوارزميات تتحكم بنا-في إطار تأسيس إنسان السرب-فبريان حرفيا ربط حياته بها لدرجة أنها تتحكم في: -مواعيد نومه وإستيقاظه. -غذائه مكوناته ومتى يتناوله. -متى يخرج من المنزل. -ماهي الأقراص الطبية التي يجب عليه تناولها (يتناول ما قد يصل إلى 100 قرص في اليوم!) -ماذا يتمرن وكيف… من خلال سعيه لتأخير الموت طمعا في ظهور الخلود قريبا، قام براين بـإلغاء الإرادة البشرية الحرة، من المنظور الإسلامي، هذا تنازل تام عن التكليف والمسؤولية الأخلاقية الفردية التي كُرم بها ابن آدم، حيث يتحول البشر هنا من عباد لله إلى عباد للنماذج اللغوية العملاقة والمقاييس الحيوية (Biometrics).

هذه “الحياة” التي يعيشها المليونير أثارت-كالعادة-جدلا كبيرا حتى إنك لتظن أن الجدل هو غايته بل أكاد أجزم أنه هو غايته من هذا كله حيث أنه يقوم ببيع منتجات “الإطالة في العمر” على موقعه بأثمان باهظة والمدهشة أنها تلقى رواجا كبيرا بدءا من مشروبه الأخضر حتى قارورة زيت الزيتون وهو ما يرجح فعلا كونه مؤسسا لطائفة أكثر منها منهجا علميا إذ أنه قد تلقى العديد من النقد من قبل باحثين وأطباء حول عدة أساليب استخدمها في إطار تحقيق هدفه لعل أشهرها قيامه بنقل دماء-بلازما-من جسد إبنه ذي السابعة عشرة من عمره حينها إلى جسده في مشهد يعيد للأذهان السحر الأسود الإقطاعي القديم للكونتيسة إليزابيث باثوري، ولكن في قالب عيادات معقمة برعاية أطباء وادي السيليكون الا أن المبدأ واحد: امتصاص بيولوجيا الجيل الشاب لإطالة عمر النخبة الثرية وهو ما تسبب في نيله لقب براين مصاص الدماء وعلى الرغم من غرابة ما قام به إلا أن حقن البلازما من إنسان شاب إلى شخص بالغ هو في الحقيقة تدخل طبي معروف خاصة في أوساط وادي السيليكون على الرغم من وجود أدلة عديدة على عدم جدواها، براين لا يقوم بدعم البحث العلمي هكذا لأن الدراسات التي تتم على شخص واحد لا يتم الأخذ بها أصلا (N=1) فما ينجح مع ميلونير وراءه جيش من الأطباء لا يمكن اعتماده كمنهج للبشرية، هكذا فإنه يقوم بتطويع الحقيقة عبر زعمه أنه يساعد في تطوير الأبحاث في هذا المجال، والمثير للسخرية أن حملته بأكمها مبنية على كذبة إذ يعترف في عديد المرٌات أن هدفه هو إضعاف تأثير الشيخوخة وربما كسر حاجز المائة والعشرون سنة (الحد الأقصى للمُعمرين تاريخيا) وبهذا فإنه يعترف بإستحالة الوصول إلى الخلود وهي الجملة التي قامت عليها حملته منذ بدايتها!

الإستعمار البلاستيكي في الحقيقة الكتاب مرهق للقارئ وبمكنك أن تفهم ما يقوم به عبر مشاهدة فيديوهاته على منصات التواصل، وقد قام في المدة الأخيرة بنشر منشور أعاد له الأضواء حيث زعم أن مَنِيَّهُ خال تماما من اللدائن البلاستيكية 2 (microplastics) نقاءه هذا ناتج عن عيشه في “مَحمية” معقمة حرفيا، قضية خلو جسده من اللدائن ليست مجرد تفصيل بسيط نمر عليه مرور الكرام بل هو في الحقيقة لب الصراع الحديث حيث أن الدراسات تقول بأن 100% من العينات البشرية التي تمت الدراسة حولهم وٌجدت لدائن بلاستيكية في الجيوب العميقة للخصيتين3 لديهم لهذا فأنا وأنت اليوم مهددون بأخطار هذا الإستعمار البلاستيكي داخل أجسادنا والذي نحن نحهل مخاطرها في ظل عجز الأبحاث العلمية حتى الآن عن فهم الأثر التدميري الكامل لهذا الخطر البيولوجي هذا “النقاء” البيلوجي ينذر بعبورنا مرحلة جديدة من الرأسمالية في مراحلها المتأخرة حيث تحتكر هذه التقنيات خلف أسوار الدفع وتترك أجساد العامة للتلوث.

بريان جونسون رغم خطورته (خطورته تكمن في يبيعه للوهم واستغلال الخوف البشري الطبيعي من الموت) إلا أن نشره لكل ما يقوم به من إختبارات ونتائجها بشكل علني وعرضه لكل ما يقوم به على موقعه مجانا هي من الأمور التي جعلته محبوبا عند الكثيرين حيث يمكنك تقليد ما يقوم به-حتى مرحلة معينة-ولا يستحق الأمر أن تكون غنيا أبدا بل إن أهم 80% مما يقوم به يمكن لأغلب الناس القيام به.

فلسفة الأمانة وفلسفة الآلة: الواقع التونسي أَي نعم الرغبة في الخلود ليست سوى خدعة تسويقية كما سبق وذكرت ولكن المهم لنا هنا هو أهمية الحفاظ على الجسد الذي يقوم به فمن منظور إسلامي فإن لجسدك عليك حق4 وسنسأل عنه يوم القيامة فيما إستغلناه5 ولهذا فإن الاهتمام بصحتك الجسدية من صُلب الإسلام وهو الذي لا يكاد يرى منه شيئ اليوم فالتقارير موجودة وعديدة لعل أهمها تقرير منظمة الصحة العالمية “تواجه تونس أحد أعلى أعباء الأمراض غير السارية (المزمنة) في إقليم شرق المتوسط؛ إذ تعود نحو 86% من الوفيات إلى حالات مرضية مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، والأمراض التنفسية المزمنة، والسكري، والسرطان. وتتسبب أمراض القلب والأوعية الدموية وحدها في أكثر من 30% من إجمالي الوفيات. كما تشهد معدلات السمنة والسكري ارتفاعًا حادًا، لا سيما بين النساء والشباب”6 وهو مايدق ناقوس الخطر اليوم، والمثير للسخرية بحق أن الأمر ليس بهذه الصعوبة فقيامك ببعض الأشياء كفيل بأن تعيش حياة مديدة بصحة جيدة وتنعم بأولادك وأحفادك.

بين فلسفة الجسد كآلة يجب تحديثها بإستمرار عبر خوارزميات معقدة هروبا من القبر وبين فلسفة الجسد كأمانة يجب الحفاظ عليها حتى تٌرد إلى خالقها يجد المسلم التونسي نفسه اليوم مستهلكا مستسلما في قاع إحصائيات الموت البطيء وخارج المعادلتين تماما في مواجهة أنظمة الهندسة الغذائية للشركات العالمية، في محاولة لاستعادة القدرة على الحركة البدنية المرنة التي إختص الله بها خليفته في الأرض، وفي بحث حثيث لإعادة إستكشاف الإيقاع الحيوي اليومي الذي عاش عليه أجدادنا لآلاف السنين.

Footnotes

  1. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC3836174/

  2. https://x.com/bryan_johnson/status/2052466542445805988?s=20

  3. https://academic.oup.com/toxsci/article/200/2/235/7673133?login=false

  4. https://sunnah.com/search?q=%D9%88%D8%A7%D9%86+%D9%84%D8%AC%D8%B3%D8%AF%D9%83+%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%83

  5. https://sunnah.com/urn/7570030

  6. https://www.emro.who.int/media/news/from-burden-to-action-tunisia-steps-up-the-fight-against-noncommunicable-diseases.html